محمود محمود الغراب
24
الحب والمحبة الإلهية من كلام الشيخ الأكبر
وهو أن يكون الحق يريد بإرادة هذا العبد المجتبى ، ويجعل له التحكم في العالم بما شاء بمشيئته تعالى ، الأولية التعلق التي بها وفقه ، فاندرج هذا التعلق في الأول وهو قوله : وَما تَشاؤُنَ إِلَّا أَنْ يَشاءَ اللَّهُ * فحب المخلوق خالقه محصور بين حب اللّه الذي أوجب له أن يحبه ، وحب جزاء محبته ، فهو محفوظ عليه وجوده ، وعلامة المحب اتباع المحبوب فيما أمر ونهى ، في المنشط والمكره والسراء والضراء ، ودليل المحب الحمد للّه المنعم المفضل ، ودليل المحبوب الحمد للّه على كل حال ، كان رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم يقول في السراء : « الحمد للّه المنعم المفضل » ويقول في الضراء : « الحمد للّه على كل حال » هذا هو الثابت عنه ، ذكره مسلم في الصحيح ، فحب الاعتناء بالجزاف ، عطاء بغير حساب ولا هنداز « 1 » ، وحب الجزاء بالميزان ، من جاء بالحسنة فله عشر أمثالها ، ومن جاء بالسيئة فله مثلها ، حب الاعتناء منه ، وحب الجزاء عنه ، فإن حب الجزاء عرفناه بالتعريف ، وحب الاعتناء عرفناه بالوجود والتصريف . ( ف ح 2 / 341 - ح 4 / 413 ، 414 ) وكل صفة ذكرها الحق أنه يحب من أجلها من قامت به ، فما حصلت له تلك الصفة إلا بالاتباع ، فإن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم سنّها ، وذلك عن اللّه ، فإنه ما ينطق عن الهوى ، ومعنى الاتباع أن نفعل ما يقول لنا ، فإن قال اتبعوني في فعلي اتبعناه ، وإن لم يقل فالذي يلزمنا الاتباع فيما يقول ، فينتج لنا الاتباع - فيما أمرنا به ونهانا عنه - الوقوف عند حدوده أن نتبعه في أفعاله في خلقه ، ينتج لنا هذا آية ، أي علامة على صدق الاتباع ، وهي المسماة كرامة في حقنا ، وآية في حق الرسل ، فإنهم أيضا تابعون ، يقول عليه السلام « إن أتبع إلا ما يوحى إليّ » وهذه الكرامة هي الفعل بالهمة والتوجه من غير مباشرة ، فيظهر على يد هذا العبد من خرق العوائد مما لا ينبغي أن يكون - إلا على ذلك الوجه من غير سبب إلا مجرد الإرادة - إلا للّه تعالى ، فإن ذلك الفعل إذا ظهر عن سبب موضوع ظاهر ، لم يكن من هذا الباب ، فالإنسان إذا اخترق الهواء ومشى فيه بمجرد الإرادة ، لا بسبب ظاهر معتاد ، أشبه فعل الحق في تكوين الأشياء بالإرادة ، فهذا الفارق بينه وبين وقوع ذلك بالأسباب ، وأصله التحقق بالاتباع ، والمتّبع في التشريع إنما هو اللّه ، والمتّبع في الفعل بالإرادة إنما هو اللّه ، والكل بعناية اللّه ومشيئته ، لا إله إلا هو العزيز الحكيم . ( ف ح 2 / 341 )
--> ( 1 ) وحدة قياس مستعملة في بلاد الحجاز وغيرها .